شمس الدين السخاوي

118

السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

--> = في أحاديث ونصوص كثيرة تساعد على هذا التفريق ، وذكر المصنف جملة لا بأس بها ، وإليك كلام بعض المحررين من العلماء يؤكد أن خيرية المال من أجل الثمرة المترتبة عليه : * قال العز بن عبد السلام في أواخر « قواعد الأحكام » ( 2 / 362 - 365 ) : « فإن قيل : أيما أفضل ، حال الأغنياء أم حالُ الفقراء ؟ فالجواب : أن الناس أقسام : أحدها : من يستقيمُ على الغنى ، وتفسدُ أحواله بالفقر ، فلا خلاف أن غنى هذا خيرٌ له من فقره . القسم الثاني : من يستقيم على الفقر ، ويفسده الغِنى ، ويحمله على الطغيان ، فلا خلافَ أن فقر هذا خيرٌ له من غِناه . القسم الثالث : من إذا افتقر قام بجميع وظائف الفقر ، كالرضا والصبر ، وإن استغنى قام بجميع وظائف الغنى من البذل والإحسان وشُكرِ الملِك الديّان ، فقد اختلف الناس في أي حالي هذا أفضل ؟ فذهب قومٌ إلى أن الفقر لهذا أفضل . وقال آخرون : غِناه أفضل ، وهو المختار ، لاستعاذته - صلى الله عليه وسلم - من الفقر . ولا يجوز حمله على فقرِ النفس ؛ لأنه خلاف للظاهر بغير دليل . وقد يستدل لهؤلاء بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان أغلب أحواله الفقر إلى أن أغناه الله - عز وجل - بحصون خيبر ، وفدك ، والعوالي ، وأموال بني النَّضير . والجواب عن هذا : أن الأنبياء والأولياء لا يأتي عليهم يومٌ إلا كان أفضلَ من الذي قبله ، فإنّ من استوى يوماه فهو مغبون ، ومن كان أمسهُ خيراً من يومه فهو ملعون - أي مطرود - مغبونٌ ، وقد خُتِمَ آخر أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالغنى ، ولم يُخرجه غناه عما كان يتعاطاه في أيام فقره من البذل والإيثار والتقلل ، حتى أنه مات ودرعه مرهونة عند يهودي على آصُعٍ من شعير . وكيف لا يكون كذلك ، وهو - صلى الله عليه وسلم - يقول : « يا ابن آدم ، إنك إن تبذل الفضل خيرٌ لك ، وإن تمسكه شرٌّ لك » . أراد بالفضل : ما فضل عن الحاجة الماسّة ، كما فعل - صلى الله عليه وسلم - . فمن سلك من الأغنياء هذا الطريق ، فبذل الفضل كله مقتصراً على عيشٍ مثل عيشِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلا امتراءَ أن غنى هذا خيرٌ من فقره . ويدل على ذلك ما جاء في الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال : « أتى فقراء المسلمين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : يا رسول الله ، ذهبَ ذوو الأموال بالدرجات العُلى والنعيم المقيم ، يُعتقون ولا نجدُ ما نُعتق ، ويتصدّقون ولا نجد ما نتصدّق ، وينفقون ولا نجد ما نُنْفِق ؟ فقال : ألا أدلكم علىأمرٍ إذا فعلتموه أدركتم به مَن كان قبلكم ، وفُتّم به من بعدكم ؟ قالوا : بلى ، قال : تُسبِّحون الله - تعالى - وتحمدونه وتكبرونه على إثرِ كل صلاةٍ ثلاثاً وثلاثين مرة . فلما صنعوا ذلك سمعَ الأغنياء بذلك ، فقالوا مثل ما قالوا ، فذهب الفقراء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبروه أنهم قد قالوا مثل ما قُلنا ، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء » » . =